ابن الجوزي

15

صفة الصفوة

وعبد الواحد يعظ ولا يقطع موعظته حتى واللّه حشرج الرجل حشرجة الموت ، ثم خرجت نفسه . قال : فأنا واللّه شهدت جنازته يومئذ فما رأيت بالبصرة يوما أكثر باكيا من يومئذ . 577 - عابد آخر عن يزيد الرّقاشي قال : دخلت على عابد بالبصرة وإذا أهل بيته حوله فإذا هو مجهود قد أجهده الاجتهاد . قال : فبكى أبوه فنظر إليه ثم قال : أيها الشيخ ، ما الذي يبكيك ؟ قال : يا بنيّ أبكي فقدك وما أرى من جهدك . قال : فبكت أمه . فقال : أيتها الوالدة الشّفيقة الرّفيقة ما الذي يبكيك ؟ قالت : يا بنيّ أبكي فراقك وما أتعجّل من الوحشة بعدك . قال : فبكى أهله وصبيانه . فنظر إليهم ثم قال : يا معشر اليتامى بعد قليل ، ما الذي يبكيكم ؟ قالوا : يا أبانا نبكي فراقك وما نتعجل من اليتم بعدك . قال : فقال : أقعدوني أقعدوني ألا أرى كلّكم يبكي لدنياي أما فيكم من يبكي لآخرتي ؟ أما فيكم من يبكي لما يلقاه في التراب وجهي ؟ أما فيكم من يبكي لمساءلة منكر ونكير وإياي ؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي [ اللّه ] ربي ؟ قال : ثم صرخ صرخة فمات . 578 - عابد آخر عبد الواحد بن زيد قال : خرجت إلى ناحية الحربية فإذا إنسان أسود مجذوم قد تقطّعت كل جارحة له بالجذام وعمي وأقعد وإذا صبيان يرمونه بالحجارة حتى دمّوا وجهه . فرأيته يحرّك شفتيه فدنوت منه لأسمع ما يقول فإذا هو يقول : يا سيدي إنك لتعلم أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض ونشرت عظامي بالمناشير ما ازددت لك إلا حبّا فاصنع بي ما شئت .